السيد عبد القادر ملا حويش آل غازي العاني
130
تفسير القرآن العظيم ( بيان المعاني )
ثم بين تلك الأيام التي ذكرنا أنها تحتاج إلى التبيين بقوله جل قوله « شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ » جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى سماء الدنيا ، وهذا من التدريج أحد أنواع البديع إذ لم يذكر نزوله في هذه الآية ليلا أم نهارا ، ثم أنزل قوله تعالى ( فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ ) أول سورة حم الدخان في ج 2 ولم يذكر أي ليلة هي فأنزل اللّه ( إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ) هكذا ذكر الإمام الغزالي في إحيائه . على أن نزول سورة القدر قبل نزول حم الدخان ، ونزولهما في مكة ، والآية التي نحن بصددها نزلت في المدينة بعد سنين ، فلا يتجه هذا بحسب النزول ، أما على ترتيب القرآن فلا قول فيه ، تأمل . ومن كرامة هذا الشهر على اللّه أنه أنزل فيه الكتب السماوية كلها ، روى أبو داود أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم قال : أنزلت صحف إبراهيم لثلاث ليال مضين من رمضان ، وأنزلت توراة موسى لست ليال من رمضان ، وأنزل إنجيل عيسى لثلاث عشرة مضين من رمضان ، وأنزل زبور داود لاثنتي عشرة ليلة من رمضان ، وأنزل القرآن في الرابعة والعشرين لست بقين من رمضان ، وتقدم أنه أنزل في السابعة عشرة أو العشرين منه كما أوضحناه في المقدمة في بحث نزول القرآن ، فيكون المراد من إنزاله في الرابعة والعشرين هو إنزاله جملة واحدة إلى بيت العزة في سماء الدنيا ، ثم بدأ بإنزاله على حضرة الرسول في السابعة والعشرين ، راجع المقدمة تقف على أصح ما جاء في هذا ، « هُدىً لِلنَّاسِ » هو نفسه هدى على الإجمال « وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ » على التفصيل للحلال والحرام والحدود والأحكام « فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ » وكان حاضرا مقيما غير معذور « فَلْيَصُمْهُ » وجوبا « وَمَنْ كانَ » حين هل الشهر أو قبله « مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ » وجوبا « مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ » يصومها بدلها حال إقامته وشفائه « يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ » أيها الناس « الْيُسْرَ » فيرخص لكم الإفطار في المرض والسفر والعجز « وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ » فيشدد عليكم بما لا تقدرون عليه ولا تستطيعونه لأن الدين يسر « وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ » لأيام الشهر كله أداء وقضاء « وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ » لصيامه وإكماله ، إذ قدركم عليه « وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ » ( 185 ) ربكم الذي